فرقة فضا المسرحية

فضا للفنون المسرحية ترحب بكم

فرقة فضا للفنون المسرحية

 تشارك الفرقة في فعاليات مهرجان طائر الفينيق المسرحي السادس بمدينة طرطوس في الفترة من 26 الى 31 آب 2014 من خلالالعرض المسرحي ( حلم ليلة حرب ) تأليف وإخراج غزوان قهوجيnbsp;


دخول

لقد نسيت كلمة السر

المواضيع الأخيرة

» الممثلة ربى طعمة
الإثنين أبريل 01, 2013 8:40 am من طرف غزوان قهوجي

» غزوان قهوجي
الإثنين أبريل 01, 2013 8:36 am من طرف غزوان قهوجي

» مختبر فضا المسرحي
الأربعاء فبراير 13, 2013 8:44 am من طرف غزوان قهوجي

» مهرجان لمسرح الشباب العربي في بغداد
الجمعة نوفمبر 23, 2012 4:07 am من طرف غزوان قهوجي

» مهيمنات ( السلطة ) وتنويعاتها الإسلوبية في بعض عروض مهرجان بغداد لمسرح الشباب العربي
الجمعة نوفمبر 23, 2012 4:02 am من طرف غزوان قهوجي

» مقالة جميلة عن مولانا
الجمعة نوفمبر 23, 2012 3:50 am من طرف غزوان قهوجي

» خبر عن مشاركة الفرقة في مهرجان بغداد
الجمعة نوفمبر 23, 2012 3:39 am من طرف غزوان قهوجي

» أم سامي
الإثنين نوفمبر 12, 2012 7:10 pm من طرف همسة حب

» حدث في سوريا : دعوى قضائية شد الله !!!!!
الإثنين نوفمبر 12, 2012 7:06 pm من طرف همسة حب

» حكايا طريفة
الإثنين نوفمبر 12, 2012 7:01 pm من طرف همسة حب

» السر بشهر العسل
الإثنين نوفمبر 12, 2012 6:56 pm من طرف همسة حب

» عندما يتفلسف الحمار‎
الإثنين نوفمبر 12, 2012 6:53 pm من طرف همسة حب

» حكمة : كن نذلا تعيش ملكاً ........!!!
الثلاثاء نوفمبر 06, 2012 2:44 am من طرف همسة حب

» فــوائـد الـزوجــة الـنـكـديــة‎
الإثنين نوفمبر 05, 2012 5:21 am من طرف همسة حب

» شو كان لازم يعمل ؟
الإثنين نوفمبر 05, 2012 5:18 am من طرف همسة حب

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى


طفل زائد عن الحاجة

شاطر
avatar
غزوان قهوجي
Admin

عدد المساهمات : 439
نقاط : 6507
السٌّمعَة : 15
تاريخ التسجيل : 03/04/2010
العمر : 37

طفل زائد عن الحاجة

مُساهمة من طرف غزوان قهوجي في السبت أبريل 10, 2010 8:17 am

نصوص
من المسرح التجريبي الحديث

















عبد الفتاح رواس قلعه جي






نصوص
من المسرح التجريبي الحديث

- طفل زائد عن الحاجة
- باب الفرج
- اللحاد


من منشورات اتحاد الكتّاب العرب
دمشق - 2001






مقدمة

لا بد للتجريب في المسرح من أن ينطلق من إرادة البحث المستمر عن مغامرة جديدة تخترق ثوابت الراهن الموضوعي، وثوابت الأشكال الفنية، تبدأ هذه المغامرة بالكلمة المكتوبة وتمتد عبر لغة الجسد وسينوغرافيا العرض المسرحي، وبهذا فإن التجريب ليس عملاً فانتازياً يعمد فيه المؤلف والمخرج إلى الخروج عن المألوف أو اختراق المجهول فحسب، وإنما هو في جوهره تعبير عن لا معقولية الوضع الإنساني والقلق الأزلي والانتظار، وعن هموم كلية مستقرة في أعماق الإنسان، وهو بالإضافة إلى ذلك وعي جديد للجمال وبحث دائب فيه، وإن أكثر الأشياء معقولية تلك التي تبدو لا معقولة في ظاهرها لكنها تظهر ما نحاول إخفاؤه، مستكشفة أغوار الواقع المكنون.
هذه النصوص قد تصدم القارئ والمتفرج بغرائبيتها وإرهاصاتها وموضوعاتها وشكلها، والتجريب هو فعل الصدم، أما الإدهاش فيتوفر في المسرح التقليدي مثلما يتوفر في المسرح التجريبي، وإن التجربة التي عشتها في إنجازها تدفعني إلى التأكيد بأن التجربة لا تكرر نفسها، وأنه في الوقت الذي تنظم فيه هذا المسرح قواعد وشروط وأنظمة فإنه لا يعود تجريبياً، لكن أمراً أساسياً أؤمن به هو أن الكلمة –النص هي دائماً المنطلق بالرغم من اتجاهات حديثة في التجريب تميل إلى إلغاء دور الكلمة واستبدالها بلغة الجسد وحركة المجموعات وتشكيلاتها، وسنجد أن من هذه النصوص ما ينتمي إلى مرحلة ما بعد التجريب من غير أن يلغي دور الكلمة –النص كمنطلق أساسي في الفعل المسرحي.
على هذه الخشبة المحدودة الأبعاد يقف المسرحي ليخلق من الواقع الراهن والممكن عوالم غنية زاخرة في مغامرة تخترق المجهول، باحثاً باستمرار عن كوامن الحياة والنفس والفكر، وعما هو جديد في الفن المسرحي، معتمداً منطق الحقيقة في أشد تجلياتها صراحة وجرأة، وكثيراً ما يلجئه ذلك إلى مجانبة المنطق الواعي المؤطر بالتيمات الاجتماعية والفكرية والمكلل بالأقنعة.
المسرحي يعمل دائماً على أقطار سلسلة من الدوائر المفتوحة، رافضاً أن يغلق على نفسه دوائر الإبداع والتجريب ليستطيع أن يقدم الواقع في قيعانه السفلي وأن يقرأ عصراً تعيشه البشرية اليوم مثل حلم ثقيل، فالتجريب في البداية والنهاية هو فعل اختراق واكتشاف وسقوط أقنعة، وإنه لمسرح مضاد مصادم مدهش، جديد متجدد دائماً، غرائبي حلمي في شكله، واقعي في جوهره، ينفذ بقوة وحدّة إلى أعماق الحياة والفكر والنفس الإنسانية.












طفل زائد عن الحاجة









مسرحية







الشخصيات



الزوج
الزوجة
روح الأب (مانيكان-تمثال شمعي)
روح الأم (مانيكان- تمثال شمعي)
الزبال











(كهف جدرانه رطبة قاتمة، أشعة الشمس لا تنفذ إليه، أثاثه يوحي بأن ساكنيه يعيشون حياة شبه بدائية وبائسة على الرغم من ثيابهم الحديثة ووجود بعض الأدوات المعاصرة. على مصطبة حجرية فراش تتمدد فيه الزوجة. في ركن من الكهف بقايا أشياء وكتب وجرائد وأكياس قمامة ومشيمة ولد. على الحائط رسوم بدائية منقوشة في الحجر، وهناك خابية ماء وعليها طاسة من فخار. في عمق المسرح سلم ينتهي في أعلى الجدار إلى فوهة سرداب. في الجانب المقابل للمصطبة كرسي هزاز وبجانبه طاولة صغيرة عليها تلفون، ومن السقف تتدلى أرجوحة ينام فيها طفل.
تمثال شمعي (مانيكان) لأب على عربة مُقعد، وتمثال شمعي للأم، وهما متقابلان كأنهما يتحاوران.
بقعة ضوء على التمثالين الشمعيين لتكثيف الإحساس بالموت والزمن الماضي وحضور الروح، ثم ترتفع أنوار المسرح قليلاً فنرى الزوج يتحرك في قلق، فجأة يرن الهاتف رنّات غير منتظمة فيسرع الزوج ويرفع سماعة الهاتف).
الزوج : ألو.. ألو (يرفع رأسه نحو السقف مبعداً السماعة عن أذنه) ألو (يضع السماعة على الهاتف) انقطع الخط مرة أخرى. (يتحرك في قلق) حاولي.. يجب أن تفعلي شيئاً.
الزوجة : غير ممكن.
الزوج : لماذا لا تجربين..؟
الزوجة : القضية فيزيولوجية.
الزوج : وما العمل..؟
الزوجة : لا أدري.
الزوج : يقولون الطفل يميل للعودة إلى رحم الأم.
الزوجة : ولكن من الناحية العضوية مستحيل.
الزوج : ما العمل (يذرع الغرفة) هيه.. هل نزلت المشيمة؟
الزوجة : نعم.
الزوج : لا تقطعي الحبل السري.
الزوجة : لماذا؟
الزوج : الأمر بسيط للغاية.. اسمعي، كيف يتغذى الطفل وهو في بطن أمه؟
الزوجة : بوساطة الحبل السري.
الزوج : حسن، لن نمس شيئاً، لا الحبل السري ولا المشيمة، ويتابع الوليد غذاءه كما كان يفعل في رحم الأم.
الزوجة : هل جننت؟
الزوج : لماذا..؟ إنها فكرة صائبة.
الزوجة : الطفل ينزل أولاً ثم المشيمة. هل تذكر عندما ولد أطلق صرخة مدوية، ثم قطع حبله السري بأسنانه وقفز إلى الأرجوحة، إنه هنا والمشيمة هناك.. لقد انتهى كل شيء.
الزوج : كل ما أذكره أنه عندما ولد رن الهاتف.. ثم انقطع الخط.
(صمت، يجلس على الكرسي ويهتز بقلق)
الزوج : هل المولود ذكر؟
الزوجة : لا أدري.
الزوج : أهو أنثى.
الزوجة : لا أعرف.
الزوج : ألست أمه؟
الزوجة : لا يوجد امرأة غيري هنا.. إذن أنا أمه.
الزوج : وأنا أبوه، لا رجل غيري هنا، أعتقد أنه طفلنا، هل نفرح.
الزوجة : بإمكانك إشعال بعض الشموع، سيفرح جدّاه به (تشير إلى المانيكان)
(تخبو أنوار المسرح قليلاً، يتجه الزوج لإشعال الشموع، ومع ارتفاع النور نجد مانيكان الأب والأم قد ابتعدا وأخذا زاويتين كأنهما يراقبان ما يحدث).
الزوج : هل يأكل الوليد كثيراً؟
الزوجة : طبعاً يحتاج إلى راتب غذائي كامل للنمو. يأكل وينام ثم يستيقظ ليأكل. (الزوج يهز الأرجوحة) لماذا تفعل ذلك؟
الزوج : أخشى أن يبكي، لا أستطيع أن أحتمل صوته. (يهزها بشدة، تقفز الزوجة من الفراش وتعترضه).
الزوجة : هيه.. ستقلب الولد (يدفع الأرجوحة بشدة بحيث تكاد تلامس السقف) يكفي (تقفز محاولة الإمساك بها) يكفي.. قلت لك يكفي (الطفل يبكي تندفع نحو مانيكان الأب وتسوقه أمامها باتجاه الزوج) ألا تمنع ابنك من ذلك إنه حفيدك. (الزوج يوقف الأرجوحة فجأة)
الزوج : تخافين عليه..؟
الزوجة : لا.. ولكن رأسي بدأ يدور (الطفل يسكت).
الزوج : الأطفال يبكون أما نحن فلا نبكي.
الزوجة : نحن عقلاء.. نحن نحزن فقط.
الزوج : نحزن ولا نبكي.
الزوجة : (تعيد مانيكان الأب إلى مكانه، تسعل) أكاد أختنق أطفئ هذه الشموع.
الزوج : (يطفئ الشموع) اللعنة عليهم، لقد حشرونا في هذا الكهف.
(صوت أقدام ثقيلة من أعلى السقف)
الزوجة : اخفت صوتك.. ألا تسمع وقع أقدامه؟
الزوج : من؟
الزوجة : سبدلاّ، سيتدلى فجأة من هناك (تشير إلى الفوهة الأعلى)
الزوج : (يضحك، يهز الأرجوحة ويغني)
سبدلا شق الحيط وتدلى
ولولا الخوف وسبدلاّ
صارت العيشة أحلى
(فجأة يثبت الأرجوحة، يقيس المسافة بينها وبين الأرض)
الزوجة : لماذا تفعل ذلك؟
الزوج : متر ونصف لو سقط هل يموت؟
الزوجة : يصاب بارتجاج في المخ. يصبح أبله.
البلهاء يأكلون كثيراً.
الزوج: هذه مشكلة.
(الزوج يهز الأرجوحة بلطف ويغني للوليد بصوت أجش)
الزوج : أوُ.. نام..
نام يا ابني نام

لادبحلك طير الحمام

ويا حمامات لا تخافوا

عم بهدي لأبني حتى ينام

الزوجة : صوتك جميل.
(الطفل يبكي، الزوج يهزه بشدة، يصل إلى حد الجنون)
الزوج : انظري. رقاص ساعة.. ساعة بلا ميناء (يأخذ بيده اليمنى يد زوجته يدوران حول نقطة واحدة وهما متماسكا اليدين بعيداً عن الأرجوحة، دورانهما يتسارع) نحن عقارب.. نحن عقارب. ساعة الموت بلا وجه.
الزوجة : دعني رأسي يدور.
الزوج : دوري.. دوري.. الساعة الآن الواحدة.
الزوجة : الواحدة هجرة.. وغربة.
الزوج : الساعة الآن الثانية.
الزوجة : الثانية جوع وتشرد.
الزوج : إنها الثالثة.
الزوجة : الثالثة فجر يولد ميتاً.
الزوج : الساعة الرابعة.
الزوجة : الرابعة شمس يشخب وجهها دماً، شمس تموت.
(يدوران بشدة أكثر فأكثر والأرجوحة تنوس بقوة وهما يتابعان العد، تبطؤ حركة الدوران).
الزوج : مر نهار.
الزوجة : مر ليل.
الزوج : الليل كهف معتم وديدان.
الزوجة : والنهار! من يحدث سكان الكهوف عن النهار؟
الزوج : النهار ظلمة أبدية.
الزوجة : هذه كلمات حزينة جداً، أشعل شمعة حزنك في المجهول.
الزوج : نحن الزمن المجهول.
الزوجان : (يدفعان الأرجوحة) ارقص يا رقاص الساعة للزمن المجهول.. ارقص.. ارقص.. نحن عقارب (يعودان للدوران وهما متماسكان بالأيدي)
الزوجة : نحن الساعة.
الزوجان : نحن الأرقام البلهاء (الطفل يبكي بشدة، يتسارع دوران الزوجين، يحسان بالدوار، تنفلت أيديهما ويسقطان كل في اتجاه) كذبة كبيرة نحن.
الزوج : كذبة كبيرة نحن. (يصحو الزوج، ينظر إلى الأرجوحة وقد خف ذوسانها وسكت الطفل) لم يسقط، ما يزال معلقاً يبن السماء والأرض.
الزوجة : علينا أن نتألم من جديد.
(الزوجة تنهض وتقترب من الوليد، تنظر إليه، تحاول أن تعطيه ثديها)
الزوجة : ما يزال يرفض الثدي.
الزوج : ولكن الطفل يتناول الثدي غريزياً.
الزوجة : كلما قربته من فمه دفع رأسه إلى الخلف.
الزوج : ولماذا؟
الزوجة : ثديي ينزف دماً وقيحاً.
الزوج : حتى غدد الثدي ما عادت تفرز الحليب للأطفال.
الزوجة : شم رائحته.. يشبه رائحة البيض الفاسد.
الزوج : (يشمه ويتقيأ) أع.. شيء مقرف (يستمر في التقيؤ، يتوقف فجأة) ماذا نفعل..؟
الزوجة : نشتري له علبة حليب.
الزوج : كم ثمنها؟
الزوجة : لا أدري.. تعال نقرأ نشرة الأسعار.
الزوج : أنا نشرة الأسعار.
(يتكوم على الأرض ليمثل بجسده ارتفاع الأسعار، يضع قناعاً)
الزوجة : (وهي تراقبه وتتابع انتفاخ جسمه) الأسعار معقولة (يتمطى يرتفع قليلاً) أوه إنها ترتفع (يرتفع أكثر) إنها ترتفع أكثر (يرتفع بجسمه أكثر ويبسط يديه) الأسعار أصيبت بالجنون (يدور حولها، ثم يصعد بسرعة على السلم وينفخ جسمه أكثر) توقف عن هذا النمو السرطاني (تركع أمامه ضارعة) انزل بالله عليك، ستطير، أنا لم أطلب غير علبة حليب لولدي (يقلص أصابع كفيه.. ويتحفز للهجوم عليها) أنت غول، غول حقيقي (يهبط بسرعة وينقض عليها، يمسكها من عنقها ويضغط وهي تقاوم، بقعة ضوء على فوهة السرداب حيث يبرز وجه كائن خرافي بعين واحدة) كف عن هذا.. ستقتلني (تبعده عن نفسها بحركة مفاجئة فيسقط، ينزع القناع، يسود صمت، ينهض إلى الخابية، يغرف ماء بالطاسة، يسقي الزوجة، تضع كفيها على كفه وتشرب).
الزوج : تعلمين أني أحبك.
(تضع الطاسة جانباً وتمسك يده بحنان)
الزوجة : دعك من هذا هل تؤلمك يداك..؟
الزوج : (يتحسس عنقها بحنان) من فعل بك ذلك؟
الزوجة : سبدلاّ.. شق الحائط فجأة وتدلى (تشير إلى الفتحة في الأعلى) كاد يختفي.. هل تذكر؟
الزوج : (يجلس على الكرسي ويهتز. الزوجة من خلفه. يتذكر) كان الجدري الأسود يحصد الأطفال والحرب العالمية تحصد الناس، ورجال الشرطة يجمعون المجدورين من البيوت.. فلا يعود منهم أحد، في ذلك الموسم ولدت أختي حفيظة، كانت أمي أُذُنٌ على الباب خوفاً من الشرطة، وأُذُنٌ على البنت التي تبكي باستمرار، وعيناها جاحظتان نحو وجهي المجدور.. وماتت حفيظة، لو عاشت لكانت الآن مثلك تماماً. مسكينة ماتت ودفنت وقت كسوف الشمس.
الزوجة : لو عشت لكنت مثلها تماماً، مسكينة أنا، لم أدفن بعد.
الزوج : (ينهض من على الكرسي ويضع يديه خلف ظهره ويحنيه كأنه يحمل طفلاً) عندما شفيت لفتني في حرام عتيق، وحملني جارنا الطيب على ظهره إلى حمام السوق، وأمي تجري تارة أمامه وتارة خلفه خوفاً من الشرطة.
الزوجة : ولماذا لم يحملك أبوك؟
الزوج : أبي أقعده مرض مزمن، ونحن أطفال نزرع البيت جوعاً ونحيباً، ثلاث سنوات وأبي مريض، ولم يشف في النهاية إلا على رائق الكلس (تتجه الزوجة إلى الأرجوحة وتحاول إرضاع الطفل).
الزوجة : الطفل يحتاج إلى الكلس للنمو، والكلس في الحليب والحليب في الثدي، والثدي ينز دماً وقيحاً ويضمر.
الزوج : لقد ضمر ثدي أمي تماماً بعد موت حفيظة.. أصبح صدرها كطاولة بينغ بونغ.
الزوجة : (تتحسس ثدييها) بعد أيام سيختفي الثدي تماماً.
الزوج : (يقصد الطفل) لا.. لن يختفي، لا بد من الدفن.. سنقيم له جنازة محترمة.
الزوجة : لمن.. للمشيمة؟
الزوج : لا.. المشيمة لا تحتاج إلى علبة حليب.
الزوجة : (تحمي الأرجوحة بجسمها) أن تنوي أمراً شريراً "وإذا المولودة سئلت بأي ذنب قتلت"
الزوج : الخير والشر أمران نسبيان في كهف مملق (يحاول الوصول إلى الطفل)
الزوجة : لن أسمح لك بذلك.
الزوج : حملته كرهاً وولدته كرهاً.
الزوجة : اخرس.
الزوج : لا تصرخي (يسد فمها) سيستيقظ، بكاؤه يسحقني (تعض لـه يده فيصرخ) آي.. قطة متوحشة.
الزوجة : (تندفع نحو صدر أمها) حتى الفئران تربي أولادها: يا أمي
الزوج : لن يشعر بالألم. أقسم لك، الأمر لن يستغرق أكثر من دقائق، إذا عاش سيصبح خوفك عليه أشد (يضمها بحنان) أيتها الزوجة العزيزة، كان في الرحم مطمئناً أكثر، ولكنك قلت إن القضية فيزيولوجية ومن المستحيل أن يعود إليه.
(يصبحان ظهراً لظهر)
الزوجة : الزمن لا يعود إلى وراء والطفل لا يعود إلى الرحم.
(يجلسان وظهر كل منهما إلى الآخر)

الزوج : أنا أختصر له درب الألم الطويل، وأدفعه إلى رحم الأرض، هناك حيث الهدوء والسلام.
الزوجان : (يرفعان كفيهما ويرتلان ترتيلاً كنسياً) وعلى الأرض السلام (صوت قرع نواقيس من بعيد) وعلى الأرض السلام.
(بقعتا ضوء على مانيكان الأب والأم)
الزوج : (بسخرية) كان السلام يجلس على الجدار الذي يفصل بين دارنا ودار خالي تاجر القماش والأغنام.
الزوجة : كان السلام جثة ممددة تحت الأسلاك الشائكة، وقريتنا تنام كل ليلة ولا تعلم في أي جهة من الأسلاك الشائكة تصير في الصباح ولا أيَّة لغة تتكلم، في الحقيقة كنا نعيش على بعض الدجاجات وبقايا من معونة الشتاء، أما أراضي القرية فقد زرعوها بالبطيخ المتفجر.
الزوج : كانت أصوات الملاعق على مائدة الخال ترن في مسامعنا، ورائحة الديك الهندي المسلوق تزكم أنوفنا، وأصوات الشركاء على المائدة في بيت خالي تفرقع في آذاننا حتى الصباح وأمي تفتت الخبز في الماء وتدعونا إلى الطعام وتقول الله يبعث لكم أيام كويسة يا أولادي.. ثم تجهش في البكاء.
الزوجة : كانت أمي تحمل سلة البيض في الصباح وتبتعد عن القرية كنا نراقبها وهي تبتعد، نبكي قليلاً، ثم نلعب بالتراب، آه ليتني حملت معي قبضة من ذلك التراب، وفي المساء كانت أمي تعود بسلة فارغة وقميص ممزق.
الزوج : (يرتلان) وعلى الأرض السلام. (صوت خطوات ثقيلة من الأعلى)
الزوجة : (تزحف نحو الزوج وتلتصق به) أنا خائفة، هذا السلام مخيف.
الزوج : الخوف ملح حياتنا.
الزوجة : ملح مرّ، كلما اقتربنا من النهاية ازداد خوفنا.
الزوج : ولكن الموت ليس نهاية العالم، بعد الموت تستمر الحياة في كون آخر أكثر سعادة، وتشرق شمس جديدة على العالم.
الزوجة : من يخبرنا عن تلك الحياة.
الزوج : (يسير خطوات، يلتفت نحوها) لا أحد ولكن لا تحولي دون قيام الطفل بهذه الرحلة السعيدة.
الزوجة : (بغضب) لا.. لا.. (بحزن) تذكر أنني أمّ لم تمتع بأولادها، كلهم يولدون ثم يرحلون وهم في المهد.
الزوج : اهدئي.. أنت تتألمين لأنك لم تقرري بعد. اجلسي، انظري هناك، لا تفكري بشيء (يتدلى من الفوهة هلال بلون الدم) ركزي انتباهك جيداً.. العالم يموت، القمر الشاحب يتقيأ آخر أنفاسه، السماء ما عادت رجوماً للشياطين، كل الأبواب مغلقة، بعد قليل يغوص الهلال خلف تلال الجهة الخامسة، ويمحي الزمان والمكان، تنهدم المادة في ثقب أسود جائع يلتهم الكون، ويعم ظلام سرمدي، هناك يتنفس التعساء الراحة في الموت الأبدي.
(تصبح الزوجة مستلبة منومة مغناطيسياً، الزوج يقترب من الطفل) الأمر يحتاج إلى شيء من الشجاعة (يلبس كفين أسودين، يسدل قناعاً على وجهه، يمد يديه ليخنق الطفل، يبتعد مرعوباً وينزع القناع) لا.. لا أستطيع.. إنه ينظر إلي بعينين حزينتين، من يحتمل نظرة حزن تسيل من عيني طفل؟ (يقترب من المشيمة) ما زالت دافئة (في إصرار) لا بد أن يدفنا معاً (يقترب من الزوجة) هذا الطفل زائد عن الحاجة، أنه ليس طفلك، انزعي حبه من قلبك، أنت لا تحبينه، أنت تفكرين في التخلص منه، عندما تمتد الغابة فتشمل مساحة العالم تموت الضمائر ويصبح الموت وسيلة الحياة.
الزوجة : (تنتفض قليلاً وتستيقظ) لا.. ليس الأطفال، إنهم استمرار الحياة.
الزوج : إنهم استمرار القلق والألم، الحياة دخان، فلنبحث عن الخلاص.
الزوجان : (يرتلان) تاقت نفسي إلى الخلاص، حبال الأشرار التفت علي، زوراً يضطهدونني، كلامك انتظرت، صرت كزق من دخان، تاقت نفسي إلى الخلاص.
(صمت، يوقف الأرجوحة عن النوسان، الطفل يبكي، الزوج ينفجر في الضحك)
الزوجة : لماذا تضحك (يستمر في الضحك) هل تظن أنهم يسمحون لك بهذا الخلاص؟
الزوج : (يصمت فجأة) هل كنت أضحك فعلاً؟
الزوجة : نعم، كان صوتك مثل قذائف متفجرة.
الزوج : كنت أظن أنني أبكي، كنت أبكي فعلاً لأنني أعلم أنهم لن يسمحوا لنا بالخلاص، إننا لا نستطيع أن نموت. دعيني أبك (يضحك).

الزوجة : ألا تفرق بين الضحك والبكاء؟
الزوج : لقد انعدمت الفوارق، نحن نضحك ببلاغ، نبكي ببلاغٍ، نهتف، نخطب، نسير حسب الأوامر، نحن منضبطون تماماً.
الزوجة : هي. اسكت (تلمس حبال الأرجوحة) هذه الأسلاك تنقل كلامنا إليه.
الزوج : لن أسكت، لم أعد أخاف منه.
(يرن الهاتف فجأة، يندفع الزوج خائفاً، يرفع السماعة ثم يعيدها إشارة إلى انقطاع الخط).
الزوجة : (ضاحكة) دون كيشوت.
الزوج : اسكتي (تستمر في الضحك) قلت لك اسكتي.. أنت تحطمين أعصابي ببكائك (يتناول كتاباً).
الزوجة : ولكنني أضحك (صمت) أم أن الضحك والبكاء مجرد كلمتين في لغة منسية؟
الزوج : (يقرأ) الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، عندما استطاع أن ينطق الكلمة الأولى ابتدأ الاجتماع (يقلب صفحة) نظرية العقد الاجتماعي (يقلب صفحات) المدينة الفاضلة (يغلق الكتاب) مجرد كلام، هل عاش أحدهم في مثل هذا القبر؟
الزوجة : في البدء كانت الكلمة، وتلقى آدم من ربه كلمات فتاب.. أنت تستهين بالكلمة.
الزوج : كانت الكلمة مشعشعة بالنور الإلهي، وعندما خبا ذلك النور تحطبت الكلمة، صرنا نهتف بالكلمات وهي قشور من أحرف يابسة (يضع الكتاب جانباً).
الزوجة : أحس بالبرد، دعنا نغن علّنا نشعر بالدفء.
الزوجان : (يغنيان)

في الرحم حل شتاء
ومات في الرحم طفلي

"الموت فيه حياتي
وفي حياتي قتلي"

متى يفيق السكارى
قد هاجم الذئب حقلي


الزوجة : (تتحسس ثدييها) إنهما يضمران بحركة متسارعة.
الزوج : يجب أن تتفاءلي.
الزوجة : ثدياي يضمران وأتفاءل؟
الزوج : عندما يختفيان تماماً سيختفي الطفل، بماذا تشعرين وثدياك يضمران؟
الزوجة : أشعر بأن مشاعر الأمومة والحب والحنان تختفي بسرعة.
الزوج : هذه ظاهرة صحية.
الزوجة : هذا شيء رهيب.
الزوج : لا.. ليس رهيباً، فالجميع في هذه المدينة سيفقدون هذه المشاعر.
(يتناول القناع ليضعه على وجهه من غير أن يفعل.
الزوجة : ماذا تفعل..؟
الزوج : لا بد من التخلص منه.
الزوجة : من..؟
الزوج : الطفل.
الزوجة : لا.. المشيمة.
الزوج : قلت لك الطفل.
الزوجة : بل المشيمة.
الزوج : حسناً، الطفل أولاً ثم المشيمة.
الزوجة : المشيمة أولاً.
الزوج : اخفضي صوتك فليكن كلاهما معاً.. الزمن يمر.
الزوجة : الزمن لا يمر أبداً على هذه الكهوف.
الزوج : لا يستغرق الأمر غير دقائق، يجب أن ننجز المهمة تحت ستار الليل.
الزوجة : وهل تستطيع أن تميز الليل من النهار هنا.
الزوج : هذا أفضل، سأطمره تحت التراب.
الزوجة : لا تفعل، ستنبشها الكلاب البوليسية.
الزوج : لا تتحدثي عن الكلاب، آثار أنيابها ما زالت في جسمي.
الزوجة : ستقتفي أثرك، تنهشك، ثم يوجهون إليك تهمة القتل.
الزوج : أسافر خارج العالم.
الزوجة : سيأتي بك الحاكم أينما كنت ليوجه إليك تهمة القتل أنت تعلم أن عيونه منتشرة في كل مكان.
الزوج : (بعد صمت) هيه. فكرة.. وجدتها.
الزوجة : ماذا؟
الزوج : نخنقه ثم نأكله.
الزوجة : من؟
الزوج : الطفل؟
الزوجة : لا.. المشيمة.
الزوج : أقول لك الطفل.
الزوجة : وتأكل كبدك.. (بسخرية) وإنما أولادنا بيننا، أكبادنا تمشي على الأرض.
الزوج : منذ مدة طويلة ونحن لا نفعل شيئاً غير أننا نأكل أولادنا ونجوع.
(الزوجة تبكي ثم يتحول بكاؤها إلى ضحك هستيري. الزوج يضحك، يتحول ضحكه إلى بكاء)
الزوجة : هل أنت مجنون؟
الزوج : هل أنت مجنونة؟
الزوجان : (في ألم) لقد جعلونا مجانين.
(يزحفان على أرض الغرفة ويجمعان أشياء)
الزوج : (يجمع ويراكم كتباً وصحفاً منتشرة هنا وهناك فوق بعضها) اقتصاد، سياسة، علم نفس، أدب، جرائد. هذه الكتب قرأتها كلها على ضوء لمبة كاز.. كان أبي يقول:
سيصبح ولدي أديباً كبيراً.
الزوجة : (الزوجة تجمع بعض قطع الثياب أمامها) كانت أمي تعلمني كيف أخيط ديارة للولد.. وتقول: لازم تطالعيها بجهازك. كانت تجلس على المصطبة وتخيط.
الزوج : ثم تفخّر الزمن.
الزوجة : (ترمي ما جمعته في سلة المهملات) وتفتت كل شيء.
(بقعة ضوء على مانيكان الأب)
الزوج : تفخرت عظام والدي من تعاطي الكورتيزون.. كانت آلام المفاصل لا يسكتها إلا هذا الدواء اللعين..
الزوجة : تفخر صدر أمي وهي تبصق كبدها من فمها، كنت أمسح آثار الدم من على شفتيها بمنديل أسود (تمسح الزوجة فم مانيكان الأم. الزوج يسوق عربة مانيكان الأب أمامه).
الزوج : وعندما كان يقطف لحفيدته عنقوداً من العنب من دالية البيت تفتت رأس عظم الفخذ وهوى على الأرض.. (يرفع الزوج يديه كأنه يقطف عنقوداً ثم يسقط على الأرض).
الزوجة : وعندما كانت تتحامل على نفسها وتذهب لتغسل في البيوت أغراض السادة القذرة وبقايا لياليهم الحمراء في سراويلهم (تجمع الزوجة من الأرض ثياباً وتجلس في مواجهة مانيكان الأم وتمثل مشهد الغسيل وهي تكتم سعالها) كانت تكتم سعالها وتبلع بصاقها الدموي كي لا يطردوها..
الزوج : كان أبي يشتغل عامل بناء في البلدية، ولما صرفوه من الخدمة أعطوه تعويضاً تافهاً حقق به أمنية أمي فذهبا إلى الحج.. وعندما عادا لم يبق لهما إلا راتبي الضئيل.. ونفساً تؤثر الجوع على الطلب..
الزوجة : كان أبي قد توفي منذ زمن بعيد.. أنا لا أتذكر وجهه.. ولكني أذكر قدميه.. أي نعم قدميه.. كان في المساء يجلس على فراشه ثم يمد قدميه (تسحب قدمي مانيكان من تحت الفراش) ويضع قدمي الصغيرتين بين قدميه ويلمس بإصبعه الأقدام الأربعة بسرعة وهو يغني لي
طيمشة ميمشة بعتتني معلمتي
لأجيب حطب وصابون
ثم يدغدغ قدمي فأسحبها بسرعة.. فنضحك ويخفي قدميه تحت اللحاف (تدس القدمين تحت اللحاف). ما زالت ضحكته ترن في أذني. (صمت) عندما ماتت أمي ظللت فترة طويلة وأنا أحلم بأمي وأبي كائناً واحداً يتقدم إلي وعندما يهم بالكلام يذوب في الظلام.
الزوج : احتفظ أبي بأدوات البناء التي كان يشتغل بها (يعلق أدوات البناء على الجدران) وعندما مات كنت أسمع في عتمة الليل نحيباً يقطع نياط القلب، كانت أدواته وهي رفيقات عمره: خيط البناء والكريك، والدبورة، والمجرفة، والإزميل تبكيه إذا دجى الليل، وعندما ينقطع النحيب أعلم أن قد انبلج الفجر..
الزوجة : أنت حزين.
الزوج : (بهدوء يرمي الكتب في السلة) من يبيعني بهذه الأشياء علبة حليب؟
(يعود صوت الأقدام من أعلى، ورنين الهاتف يستمر ثم يتوقف، والزوج لا يتحرك).
الزوجة : أشعر بالبرد (الزوج يحاول إشعال الكتب بعود ثقاب) كيف يشتعل في هذه الرطوبة والهواء يتناقص منه الأكسجين باستمرار.
الزوج : (يحاول التنفس) الهواء أصبح فاسداً.
الزوجة : المشيمة هي السبب، بدأت تفسد (تسد أنفها تتقيأ)، هيه.. اخرج المشيمة، رائحتها نتنة أسرع.. أسرع قبل أن تقتلنا رائحة الجثة.
الزوج : (يخرج من حجر في ركن الكهف) لو يشم الميت رائحة الحي.. شيء مقرف.
الزوجة : افعل شيئاً بحق الله.. إنها تنتفخ.
الزوج : (يفحصها) بدأت تتفسخ.
الزوجة : سأهرب.
الزوج : ليس في الكهف غير هذه الكوة.. هل تهربين إليه؟
الزوجة : كيف أعيش مع جثة؟
الزوج : ليست المشيمة هي المشكلة.
(الزوج يقترب من الطفل ويتفحصه مرعوباً).
الزوج : (يفحصه برعب) جسمه ينمو بشكل عشوائي تلك هي المشكلة.
الزوجة : (تتفحص المشيمة) المشيمة تنزف دماً.
الزوج : وجهه مخيف.
الزوجة : ديدان تخرج منها وتتحول إلى صراصير (تندفع خائفة وتندس في الفراش)
الزوج : شيء واحد لم يتغير.
الزوجة : لونها إنه لون الدم.
الزوج : بل عيناه الحزينتان الضارعتان، لا أستطيع النظر إليهما (يبتعد باتجاه الزوجة).
الزوجة : لماذا تنظر إليّ هكذا؟
الزوج : إنه لا يشبهني، ولم يجمعنا فراش، فمن أين جاء؟
الزوجة : ألم تقل لي يوماً أحبك..؟ هذا يكفي ليكون هنالك ولد.
الزوج : أي حب هذا الذي ينجب وليداً مشوهاً كهذا.
الزوجة : لا أدري لعله الحزن.
الزوج : ألم يكن هذا الطفل هو الأمل؟
الزوجة : بلى.. هو الأمل.
الزوج : وكنا ننتظره بفارغ الصبر؟
الزوجة : أجل.. كنا ننتظره بفارغ الصبر وكنا نصلي من أجله.
الزوج : إذن فقد ضاع كل شيء.
الزوجة : أجل ضاع كل شيء.
الزوج : لا بد أن نتخلص منه.
الزوجة : أجل لا بد أن نتخلص منها.
الزوج : سيفسد كل شيء عندما يكبر.. سيغدو وحشاً يلتهم العالم.
الزوجة : ستفسد كل شيء عندما تنتن، ستغزو الصراصير العالم.
(يدور الزوج حول نفسه وهو ممسك بحبال الأرجوحة، يفلتها فجأة ويقفز إلى السلم ويصعد)
الزوجة : ماذا تفعل؟
الزوج : أشرف على العالم.
الزوجة : ماذا ترى؟
الزوج : أرى السماء غاضبة، والأرض بركاناً يلتهب.
الزوجة : اصعد.. اصعد.. هل ترى قيامة؟
الزوج : (يصعد) أرى غيوماً تمطر كبريتاً، وشواطئ يبتلعها بحر يتصاعد من أمواجه لهب ودخان، وأشم رائحة الزمن المنتن.
الزوجة : اصعد.. اصعد، ماذا ترى؟
الزوج : أرى آباراً من زيت أسود تحترق، وأخرى تنضب، وأرى مدناً ميتة، وأخرى يجرفها السيل.
وأرى قوافل مهاجرة في صحراء مترامية يقتلها الظمأ.
الزوجة : اصعد، هل ترى في الأفق فجراً.
الزوج : أرى شمساً تموت، وليلاً يمتد، وأرى تنيناً يزحف بالحديد والنار يبتلع العالم.
الزوجة : كفى، أحلامك تنشر الرعب، انزل.
الزوج : (ينظر إلى أسفل) كيف أنزل ورأسي يدور، والأرض اختفت من تحتي.. لا شيء إلا الفراغ (يحاول الصعود).
الزوجة : (تصرخ محذرة) انتبه.. ستسقط. (يقع الزوج على الأرض) كي تصعد من دون أن تسقط يجب ألاّ ترى شيئاً، كنت أعلم أنك ستقع.
(بقعتا ضوء على مانيكان الأب والأم).
الزوج : (وهو متكوم على الأرض في منطقة الظل) عندما سقط أبي من فوق سقالة البناء وتهشمت عظامه راحت أمي تبيع أثاث البيت وتشتري شرائح الهبرة وتضعها فوق لحمه المرضوض، وكانت تسهر الليل وهي تجمع قصاصات أوراق سجائر الشام، تلصقها لتصنع ورقة كاملة، ثم تجمعها دفاتر تحملها إلى سوق الجمعة تبيعها لتشتري لنا بثمنها خبزاً. (يخرج من جيبه دفتر سجائر) ما زلت أحتفظ بواحد من هذه الدفاتر (يفتح غلافه الداخلي ويقرأ بتنغيم)

يا بني قومي جميعاً
ورق الشام خذوه

إنه حلو لذيذ
جربوه تعرفوه

فهو للمرضى شفاء
وحياة فاشربوه


الزوجة : عندما سقطت قريتنا صاحت أمي هيا يا أولاد فلنرحل قبل أن تصل الذئاب، وحملنا ما استطعنا حمله من أغراض البيت. لم أبك آنذاك، ولكني بكيت حين رأيت أمي تبيع دموعها تحت أسوار القصر لتشتري لنا بثمنها خبزاً.
الزوج : كان أبي يوقظ الفجر بسعاله، وذات ليلة مد يده إلى عبه وقال: يا بنيّ احتفظ بهذا الوسام، إنه وسام الشجاعة، كان أبوك مقاتلاً قبل أن يصير عامل بناء مقعد (يمد يده إلى عبه ويخرج وساماً).
الزوجة : (تمد يدها إلى ثوبها وتستخرج ضفيرة شعر طويلة) هذه الضفيرة هي أول رسالة في الحب يقرؤها والدك يا ابنتي.. هكذا أخبرتني أمَّي وقالت: عندما علق شعري بشجيرة الورد اندفع والدك وراح يخلص لي خصلات شعري من الأشواك خصلة خصلة حتى دميت يداه (صمت) وعندما قصت أمي ضفائر شعرها وذهبت لتبيعها في السوق كي تطعمنا اندفعت وراءها وخطفتها منها، قلت لها رسائل الحب لا تباع.
(تختفي بقعتا الضوء عن المانيكان)
الزوج : رأسي يدور، الأشياء تذوب، العالم ينصهر.. يبرد.. يتكون من جديد.
الزوجة : لا بد للعالم أن يتكون من جديد.
الزوج : هناك في الأفق شمس قديمة تشرق من جديد.
الزوجة : متى تشرق الشمس ويحس الأطفال بالدفء.
الزوج : عندما ننهي غربتنا عن ماضينا.
الزوجة : ومتى يحدث ذلك؟
الزوج : عندما ننهي غربتنا عن ذاتنا، آنذاك لا تلد الأرحام أطفالاً مشوهين كهذا الطفل.
الزوجة : الإنجاب قدرنا.
الزوج : كم طفلاً أنجبت قبل هذا؟
الزوجة : كثيراً، منذ أن بدأ فصل الغربة.
(الزوج يهجم عليها ويجذبها من شعرها ويثني رأسها إلى الخلف)
الزوج : تضحكين عليّ، مرة تقولي هذا الطفل جاء من كلمة، ومرة تقولين جاء من فصل الغربة، يا خائنة هذا الطفل ليس طفلي، إنه لا يشبهني أبداً.
الزوجة : طفل من إذن؟
الزوج : إنه طفله.. سبدلاّ.
الزوجة : أرجوك، دع شعري، إنه فعلاً ليس طفلك.
الزوج : (يتركها فتبتعد) إذن أنت تعترفين.
الزوجة : (في برود) وليس طفلي أيضاً.
الزوج : أوه.. أكاد أجن.. من يكون إذن؟
الزوجة : طفل.. مجرد طفل فقط.
الزوج : وأنت؟
الزوجة : أنا لست زوجتك.
الزوج : لست زوجتي! من تكونين إذن؟
الزوجة : زوجة.. مجرد زوجة فقط.
الزوج : وأنا من أكون؟
الزوجة : زوج.. مجرد زوج، ولكنك لست بزوجي.. نحنُّ مجرد أرقام.
الزوج : يا للشيطان.. أكاد أجن (يدور حول نفسه وهو يجر زوجته نحو المشيمة) وهذه؟
الزوجة : ليست مشيمته.. إنها مشيمة.. مجرد مشيمة فقط.
(يتركها ويجيل النظر حوله)
الزوج : وهذا المكان، هذا الوطن؟
الزوجة : (ساخرة بمرارة) أيّ مكان، وأي وطن؟ كل شيء ملكه.. نحن غرباء.
(صوت أقدام ثقيلة من فوق)

الزوج : (يحس بالدوار، يضع يديه على وجهه) اسكتي.. اسكتي بالله عليك، لم أعد أحتمل، فقدت كل شيء، حتى نفسي فقدتها.
(صمت، موسيقا ناعمة، يقتربان ويضمان بعضهما، يرخي كل منهما رأسه على كتف الآخر). لا.. ما دمت معي فأنا لم أفقد أي شيء.
الزوجة : وما دمت معي فأنا لم أفقد أي شيء.
الزوج : أنت المكان والزمان.
الزوجة : وأنت الوطن.
(صوت مرور أقدام من فوق، تبرز في الفوهة جمجمة بقرنين ينظران نحو الفوهة في الأعلى، ثم إلى بعضهما)
الزوجة : ألا تخشى أن يهبط علينا فجأة ونحن هكذا.
الزوج : نحن بحاجة إلى الحب والحنان لنكون أقوى منه. هذا المكان مليء بأرواح الذين أحببناهم، أبي (بقعة ضوء على مانيكان الأب) وأمك (ضوء على مانيكان الأم) والأجداد. (تتدلى على جوانب وعمق المسرح وجوه شمعية- مانيكانات، لحظات صمت، الزوجان يبتعدان وتبقى أكفهما متماسكة، ثم تضع يدها على صدرها)
الزوجة : لا بد أن الفجر قد انبلج، فقد اختفى الثديان تماماً.
الزوج : كانت الشمس تشرق بين ثدييك.
الزوجة : وكان القمر يطلع فوق جبينك.
الزوج : العالم اليوم بلا شمس ولا قمر، والنجوم انطمست.
الزوجة : (تتجه نحو الطفل) مضى زمن الرضاع، لم يعد لدينا شيء نعطيه لهم. (صمت)
الزوج : لماذا لا نتبنّاه؟
الزوجة : وهل يتركنا نفعل ذلك؟
الزوج : نحاول.
(يمسكان الأرجوحة كل من جانب ومع الحوار التالي يدوران بها حتى يلتف الحبل)
الزوج : سنجد متعة كبيرة في متابعة نموه.
الزوجة : ونشعر بالراحة حين نراه يكبر كل يوم.
الزوج : ولكنهم سيجعلونه حقلاً للتجارب.
الزوجة : وربما يستخرجون منه مركبات جديدة في عالم الكيمياء والفيزياء والسياسة والاجتماع والرياضيات الحديثة.
الزوج : سيستنسخون منه أعداداً لا تحصى.
الزوجة : تدمر الحضارات وتقصف المدن.
الزوج : سيجعلون منه عالماً.
الزوجة : يفجر الذرة في أرحام النساء وعيون الأطفال.
الزوج : أو طبيباً عبقرياً لامعاً.
الزوجة : يسلخ جلود المرضى.
الزوج : أو قاضياً.
الزوجة : يبصق في الميزان.
الزوج : سيجعلون منه سلطاناً راعياً.
الزوجة : يسوق القطيع إلى مراعي الموت ليلاً ويحلبهم في الصباح.
الزوج : سيجعلون منه تاجراً ذكياً.
الزوجة : يلتهم الأسواق ويضرم الأسعار.
الزوج : أو منشداً.
الزوجة : يتقيأ أغانيه على موائدهم.
الزوج : أو شاعراً كقيس.
الزوجة : ينظم الشعر وليلاه تغتصب.
الزوج : سيعلمونه الرقص.
الزوجة : ليؤدي رقصة الموت والطاعة.
الزوج : سيكون طفلاً ذكياً.
الزوجة : كثعلب.
الزوج : عبقرياً.
الزوجة : كشيطان.
الزوج : أملاً.
الزوجة : كالموت.
الزوج : يحملنا على كتفيه عندما يكبر.
الزوجة : ويصعد.
الزوج : يصعد.
الزوجة : يصعد نحو فوهة البركان.
الزوج : البركان العظيم.
الزوجة : البركان المشتعل الرهيب.
الزوجان : ويقذفنا إلى الجحيم.
الزوج : في الجحيم.
(يطلق الزوجان صرخة قوية. يرتمي كل منهما في جانب، الأرجوحة تدور في الاتجاه المعاكس)
الزوج : يا للطفولة البائسة المشوهة.
الزوجة : كل مولود يولد على الفطرة لقد دنسوا الفطرة.
(ينتحبان، صوت رنين الهاتف، ثم صوت أقدام من الأعلى، والزوجان يستمران في النحيب الهادئ المتلاشي، يرتفع صوت الأقدام ثم ينقطع وتسود فترة صمت..
يدخل إنسان آلي ملثم بملابس سوداء يبحث في الغرفة يتناول جردل القمامة يفتح غطاءه يثبت الأرجوحة يتناول الطفل ويضعه في الجردل يمر فوق جسدي الزوجين يضع المشيمة في الجردل مع بعض القمامة تغطيه، يرفع الزوجان رأسيهما في بطء ينظران إليه نظرات بلا معنى يقف أمام الباب).
الزبال : (يخاطب الزوجين بلهجة الروبوت) أنا الزبال الجديد في الشارع، لماذا تنظران إلي في استغراب آه.. ملابسي.. هذه ملابس جديدة وزعتها علينا البلدية للوقاية من الأمراض.. الكوليرا تعشعش في المدينة، وأنتما تعلمان أن مهنتنا قذرة.. عجيب كل أهل هذه المدينة خرس رغم أنهم يسمعون ويفهمون.. تكلما، من الصعب أن أعرف ما تريدان من غير أن تساعداني بكلمة أو إشارة.. (يشيران إلى السطل) آ.. فهمت.. السطل.. تستفهمان ماذا وضعت في السطل.. لا شيء، مجرد زبالة، سأرميها فوراً في المجاري العامة.. إلى اللقاء (يمضي ثم يتوقف ويلتفت نحوهما) أرجو أن تتركا الزبالة في المرة القادمة في المكان نفسه. لن أزعجكما، سأدخل بلا ضجة وأخلصكما منها.. إلى اللقاء (يخرج).
(تنهض الزوجة وتدور في قلق وألم، تضع يدها على بطنها ثم تتمدد في الفراش وتحس بالمخاض، تطلق صرخات والزوج يزحف نحوها في خوف وقلق)
الزوج : هل تتألمين؟
الزوجة : إنه يتحرك بشدة.
الزوج : من؟
الزوجة : الطفل.. يحاول أن يخرج.
الزوج : متى حدث هذا؟
الزوجة : لا أدري.
الزوج : ألم تشعري به من قبل؟
الزوجة : كلاّ.. لا أحس به إلا عند الوضع.
الزوج : هل مر علينا تسعة أشهر؟
الزوجة : دعك من حكاية الزمن.. هذا المكان ثقب أسود ينعدم فيه الزمان.
الزوج : حاولي أن تفعلي شيئاً.
الزوجة : لا أستطيع.
الزوج : اضغطي على نفسك.. امنعيه من الخروج.
الزوجة : مستحيل.. القضية فيزيولوجية. إذا لم يخرج انفجر، لسنا بحاجة إلى هيروشيما جديدة.
(الزوج يمسك حبال الأرجوحة ومع الحوار التالي يدور بها بشكل متسارع)
الزوج : ولادة، فظلمة، فموت… أية حياة هذه؟
الزوجة : أسرع بالله عليك وأحضر من يساعدني.
الزوج : لا أريد
الزوج : (بخوف) لا لن تموتي..، أخشى الوحدة، لا أحتمل الشقاء وحدي، هذه الجدران قاتلة، يكفي أن أراك، أن أحس بوجودك إلى جانبي، أنتِ جحيمي الذي لا أستطيع أن أعيش بدونه.
الزوجة : وأنت غربتي وعزائي.. ساعدني بحق الله.
الزوج : أيتها المرأة لا تفكري في الولادة. أنت لا تحملين في رحمك غير الوهم.
الزوجة : بل أحس بحركته، افعل شيئاً من أجله.
الزوج : لماذا تحرصين عليه؟ أ ليكون جحيماً آخر؟
الزوجة : فليكن ما يكون، إنه طفل، يجب أن يعيش، الأطفال يجب أن يعيشوا.
الزوج : نحن أطفال الأمس، فهل نحيا اليوم.. كلا.. لا أريد هذا الطفل.
الزوجة : ساعدني أرجوك سيرى النور بعد قليل.
الزوج : لن يرى غير الظلام.. (يفلت حبال الأرجوحة ويصرخ ويرتمي على الأرض) لن يرى غير الظلام (الأرجوحة تدور في الاتجاه المعاكس).
(تطلق الزوجة صرخة قوية ثم يرتخي جسدها، الأرجوحة تتابع الدوران، تخبو الإضاءة ويعود مانيكان الأب والأم إلى وضعية التقابل الأولى)
الزوج : (وحده ملتصق في الأرض) هل ولد الطفل؟
الزوجة : ولد تحدّ آخر.. من يدري؟ ربما يكون هو المنتظر.
(يزحف الزوج نحو مانيكان الأب وتزحف الزوجة نحو مانيكان الأم)
الزوج : (يداه على ركبتيه) باركنا يا أبي.
الزوجة : (يداها على ركبتيها) باركينا يا أمي.
الزوج والزوجة : نحن قادمان إليكما.
(يلتفت الزوجان باتجاه الجمهور وتضع الزوجة رأسها على صدر الزوج فيحيطها بذراعيه بحنان.
الزوج : (مخاطباً الجمهور) وأنتم قادمون إلينا.
(يأخذان وضعية التثبيت فيتحولان إلى مانيكان، تظلم جوانب المسرح عدا بقعة ضوء على التشكيل الرباعي من الأب والأم والزوجين، ينساب نغم دافئ يتواصل رنين الهاتف).


( ستارة شفافة تسدل ببطء)



avatar
احمد الحرفي
مشرف قسم الرياضه

عدد المساهمات : 158
نقاط : 5658
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 10/04/2010
العمر : 37
الموقع : vchat://4835@174.37.61.89

رد: طفل زائد عن الحاجة

مُساهمة من طرف احمد الحرفي في السبت أبريل 10, 2010 8:54 am

الله يعطيك الف عافيه ويخليلك ابو زيد يا كبيرناااا

    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 12:37 am